حيدر حب الله
319
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الضخامة خطوة غير مسبوقة ، من شأنها أن تحسم النزاع لصالح الأخباريين في وسط ديني يعتبر الحديث مرجعا معرفيا ، وقد سعى البحراني ( 1186 ه ) في « الدرر النجفية » إلى جمع عدد كبير من الأحاديث ، لكنه ما بلغ مبلغ العاملي فيما فعل « 1 » . إن عملية التجميع التي قام بها الحرّ العاملي كانت تحتاج إلى فنّين معرفيين لم يكن يتسنّى لغير الحرّ - ربما - التحلّي بهما ، مما جعل هذه الخطوة ترى أكبر نجاح لها على يديه ، وهذان الفنّان والعاملان هما : الأوّل : الموسوعية الحديثية التي تحلّى بها العاملي ، فالروايات الاثنان والثمانون التي سردها الحرّ في وسائله ، أدرجها في كتاب القضاء ، وهو الكتاب الذي يقع في الجزء السابع والعشرين من الوسائل المؤلّف - بحسب نسخة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث - من ثلاثين جزءا ، والذي اشتمل مع المكرّرات والتقطيعات على 35868 حديثا « 2 » ، وهذا يعني أنّ سيطرة الحرّ على المصادر الحديثية للشيعة وتصدّيه لتأليف موسوعة حديثية ضخمة كالوسائل جعلاه أقدر من غيره على جمع النصوص وتأليفها ، فقد اعتمد الحرّ في الوسائل على ثمانية وسبعين مصدرا حديثيّا قديما غير الكتب الأربعة المشهورة عند الإمامية « 3 » ، وهذا رقم ليس بالسهل اليسير إحصاؤه والتحكّم به ، وبهذه السمة نجح الحرّ في تقوية موقف الأخباريين عبر خبرته الحديثية الموسوعية التي أنتجت - غير وسائل الشيعة - كتبا أخرى مثل « الفصول المهمة » و « إثبات الهداة » و « الإيقاظ من الهجعة » و . . « 4 » الثاني : الخبرة التنظيمية التي اكتسبها الحرّ من تجربة الوسائل ، فليس بالأمر اليسير أن توضع مئات العناوين لتجمع تحتها روايات فقهية متفرّقة ، إنّ خبرة الحرّ العاملي في ربط النصوص بالعناوين رغم أن علاقة هذه النصوص مع عناوينها تختلف وتتخلّف ، من حيث دلالة النص أحيانا على العنوان دلالة مطابقية ، وأحيانا أخرى دلالة تضمّنية ، وثالثة دلالة التزامية بدرجات الالتزام المختلفة قربا وبعدا . . هذا النوع من الخبرة يجعل الباحث الموسوعي قادرا على استدعاء نصوص موزّعة لإدارتها حول نقطة معينة ، وهذا ما جعل الحرّ العاملي قادرا على استدعاء عدد كبير من النصوص ذات
--> ( 1 ) - الشيخ يوسف البحراني ، الدرر النجفية والملتقطات اليوسفية 2 : 340 - 345 . ( 2 ) - للتذكير فقط فإن في عدد أحاديث « وسائل الشيعة » وكذا الكثير من الكتب الحديثية خلافا أو احتمال الخلاف ، وإنما نذكر بعض ما هو متداول ، أو موجود في النسخ المحقّقة الأخيرة . ( 3 ) - الحرّ العاملي ، وسائل الشيعة 30 : 153 - 159 ، الخاتمة ، الفائدة الرابعة . ( 4 ) - من المعروف أن كثيرا ما نفى العلماء المتقدّمون النصّ على شيء ثم عثروا على نصّ فيه ، وقد حصل ذلك مع الشهيد الثاني ، فراجع : بحر العلوم ، الفوائد الأصولية : 93 ، وقد لعبت الجهود الأخبارية دورا في هذا المجال .